كيف يمكن للحكاية أن تجعل من العيش فكرة محتملة

كيف يمكن للحكاية أن تجعل من العيش فكرة محتملة؟
نلتقي على فترات متقاربة أو متباعدة، أو قد لا نلتقي على الإطلاق ونكتفي بالمحادثات الكتابية أو الهاتفية، أخبرها "كيف حالك؟" ومن هنا نبدأ إلى حيث ينتهي بنا الحديث أو يقطعه طارئٌ ما، تحكي لي ما حلّ بها فأخبرها بأنني و-لحسن الحظ- أعرف حكاية تطابق مشكلتها تمامًا! "اسمعي ياستي" وأبدأ بسرد ما أهدته لي الحياة في رحلتي ونفذ إليّ صدقه أو ما تكبدت الصعاب حتى وصلت إليه ووصل إليّ، لا تهم الطريقة الآن، المهم أن بجعبتي حكاية تغطِّي الحدث بقدرٍ ما حتى موعد المكالمة القادمة.
أمُرُّ بتجربة قاسية أعلم أني لو أفلتت الزمام للحزن بداخلي؛ سيأكلني حتى آخر نفسٍ بي، لذا أسافر بعيدًا، ألتمس جمعًا أحب أفراده وأعلم فيهم خيرًا وأسأل الله خِفيةً أن يبعث إليّ من يسألني "كيف حالك؟"
أتأمل وأنتظر إلى أن يأتي من يسألني فعلًا فأجاوب كغريقٍ تعلّق في عنق أحدهم، أحكي وأحكي فيدرك الطرف الآخر مأساتي ويخبرني "آه، مش لوحدك، هحكيلك حاجة" أبتسم : ) نعم، أعلم أنني بعد هذه الحكاية -التي لا أعرف تفاصيلها بعد- بشكلٍ ما سأصبح أفضل.. وكتبت يومها "يرسلنا الله بعضنا لبعض رحمات" وأنا مستشعرة وممتلئة.
أرى في الحكاية قوة تربطنا باختلاف أبعادنا فأحب الحكاية وأحب تدوينها وأحب ألا تموت حكاياتي معي أبدًا. وأسافر مسافاتٍ لأحظى بلقاء صديق أخبره عنّي ويخبرني عنه بحثًا عن الطمأنينة في طيات قصصنا.
وأدرك أنه لا يؤنِس المرء مثل معرفته بأن مصابه قد أصاب غيره يومًا ومرّ،َ وأن المأساة لم تؤثره دونًا عن الجميع كما يصور له ألمه وقتها.
أجلس مضطرة في حافلة عقيمة مزدحمة بينما أقرأ رواية "السر المكنون" كمحاولة للهروب بداخلها، تشدني البطلة من الانزعاج قائلةً:
«إنه من المضحك، ولكنّي أتعجب من الناس الذين يعيشون حياتهم دون حكايات تبقى بعد رحيلهم» أغلق الرواية، وأسرح
في كلمة افتتاحية مميزة لبثينة العيسى قالت:
"لكن كيف لهم أن يعرفوك من دون مخيلة، من دون تلك القدرة على أن يمشوا خطواتك ذاتها، أن يجعلوا من أنفسهم أبطالا في حكايتك الخاصة، هذا هو ما تفعله الحكاية، إنها تمنحنا القدرة على فهم الآخر، عوضا عن الحكم عليه"
وأضافت أنه إذا أردنا ان نفهم شخصا فنحن نسأل عادة، ما هي حكايته؟ كل أحاديثنا الجانبية، كل النمائم الصغيرة، أحلامنا، كوابيسنا، وجل ما نبحث عنه في الفن والأدب هو الشيء ذاته تقريبا، الحكاية، نحن نريد الحكاية دائمًا، لأننا نريد ان نفهم، ليس الآخر فحسب بل أنفسنا ايضا، لأن القصص والحكايا لم تكف قط عن كونها تلك المرايا، صقيلة، بليغة وأبدية".
في الحكاية قد تدرك مساحاتٍ لربما لم ولن يتطرق إليها عمرك القصير، تستوعب وسع العالم الغير معقول، ترى نماذج قد يصور لك عقلك بأنها لم توجد قط إلا في القصص المخلوقة أو في السيناريوهات السنيمائية، تشعر كما يشعر المسافر في الطائرة لحظة الهبوط عندما تبدأ أذناه المسدودة بالانفتاح.

وللحكايات أبعادٌ أخرى كحفظ تاريخ شعبٍ يعمل العدو على طمس آثاره، أو حفظ أصالة الزمن أمام إسفاف الحاضر وابتذاله، ولكني أحببت التعبير هنا من هذه الزاوية؛ أن تجعل الحكاية من العيش فكرة محتملة. 

Comments

Popular Posts