في رحلة البحث عن الأصالة 1


(1)

 

أؤمن أن في العمر متسعًا لتأمل كل جميل فأدعو دائما كل من ألتمس فيه صِدقًا أن يعيش ويشعر وينغمس بكل تفصيلة تمر عليه، بأن نتذوق نشوة الفرح عندما يأتينا بكل حواسنا تماما كما الألم وأردد ما قيل لإيميلي عن طريق دوفاييل الحكيم " أنتِ لم تُخلقي من زجاج يا إيميلي، لديك عظام قوية تستطيع تحمل صدمات الحياة" فلمَ الخوف؟
"نقيض الجمال ليس القبح؛ وإنما الزيف" هكذا بكل وضوح وضعنا علي عزت بيجوفيتش على الطريق ولهذا أحببناه، فمن عرفه أو عاش بين سطوره يعلم أنه لم يولِّد فكرًا بقدر ما ولّد الصدق، فكان هو شخصيًا مثالًا حيًا على ما يقول ويعلم، عاش وبذل وضحى لما آمن به، ومن هنا كان التأثير.
كنت في الثامنة عشرة عندما قرأت لأول مرة تعبير (صب الروح في قالب) الذي أشار له بيجوفيتش ناقدًا الثقافة الجماهيرية، فقال أن موضوع أي ثقافة أصيلة هو (الإنسان) فردًا أو شخصية، الفردية المتفردة التي لا تتكرر. فبينما تنحو الثقافة الحقيقية تجاه الفردية، تصب الثقافة الجماهيرية في الاتجاه المعاكس، نحو التماثل و(صب الأرواح في قوالب متماثلة) فهو يرى أن الحرية هي مقاومة التماثل! فالنُسخ المكررة من الأدب والفن المزخرف الرخيص يؤديان إلى سلب الشخصية وتسطيحها ولذا كان دور من ذاق الأصالة أن يزيح غبار الزيف والابتذال عن الأرواح بالطريق.
ولذا يمكنك دون أدنى مجهود أن تلمس أصالة ما تقدمه الفنون الشعبية التراثية وأن تنفذ إلى أعمق نقطة في قلبك دون أي نية مسبقة، وقِس على ذلك..
المجهود يُقدّر ويُلمس ويَنفَذ، اللوحة التي تُرسم بتأنٍ ويملأ فيها الإنسان من نفسه تخلتف في وقعها على الروح تمام الإختلاف عن تلك المطبوعة في دقيقة. وقعتُ قريبًا على حساب خطاطٍ يمنيّ فنان يُدعى زكي الهاشمي وأخذت أتأمل لوحاته واحدة تلو الأخرى أستشعر جمال كل خط فيها وتصميماته البديعة، جمال يغذي القلب قبل العين
أرى صدق السعي طريقا واحدا دون تفرعات، تختلف نقاط الانطلاق ودوافعها ومن الممكن أن نتعثر ولكن في مسار وشعور مشترك تلمسه وتراه الأنفس الطيبة، فلا أعلم سبيلًا للعيش الإنساني السويّ سواه، وتطاردني لحظات تعثري في الحياة التي فقدت فيها المعنى والصدق وأخذت مساراتٍ أخرى مضطرة كما الأشباح.
لا يطاوعني شعوري أن أقرأ لكاتبٍ أعلم أنه اختار طواعية أن يقف في طريق الباطل وهو الذي يغذينا في كتاباته عن مرادفات الحق والعدل، وأتابع القضايا التي تمس كل ما هو صادق وأنخرط فيها وأدافع عنها، أدرس ما أصدقه وأتوقف أمام لوحة أعجبتني لمدة لا ينبهني لطولها سوى تألم قدماي، ألمس كل سطح وكل شيء وأتحسس بيداي كل الأعمال اليدوية التي تُهدى إليّ ببطءٍ لأن يدًا أحبها صنعت هذا..
أُنصت للحكايات الحقيقية، والتفاصيل الحقيقية، ويميل جسدي تلقائيًا تجاه اللحظات الأصيلة وليدة العفوية والصدق، أتأمل مراحل الضحكة، وبلعة الريق بعد الحكاية المؤلمة، ولمعة العين لحظة الاندهاش، أحفظ تفاصيل من أحب وأدونها وأعتني بها.
أفتش عن الصادقين وأصاحبهم وأقطع المسافات شوقًا لهم، ويمكن للقاء واحد حقيقي أن يمحو غبار شهور من الغربة والسخف.
يتوقف الزمن مؤقتا عند المرور بلحظة فراقٍ، فأشعر بأي وعيي لا يستوعب المفهومين ويجد بينهما تضادًا لا يفسر، أكان من الأفضل لو أني سطحت المشاعر ومررت على الشعور دون تذوقه لئلا يتوغل الحزن بداخلي لهذا الحد عند وفاة وغياب أحدهم؟
لا أستوعب الموت ولا أفهمه، كيف للإنسان بكل ما يحويه بداخله من عوالم وحكايات أن يغيب عن العالم للأبد في لحظة؟ وما العمل الآن مع التفاصيل التي احتفظت بها وكل الذكريات والدفء؟ وأتذكر أغنية قبائل البوشمن التي تقول "يومَ نموتُ سيمحو النسيمُ الرقيقُ آثارَ أقدامنا على الرمال. بعدما يفنى النسيم. تُري مَن يُخبر الأبديةَ أننا مشينا ها هُنا مَرةً في فجرِ الزمان؟"
-"ما أظلَّتِ الخضراءُ ولا أقلَّتِ الغبراءُ من ذي لهجةٍ أصدقَ من أبي ذرٍّ" كان لهذا الحديث وقع شديد اللطف على قلبي، فأنا أحب سيدنا أبا ذر الغفاري وكنت أقرأ في سيرته من مدخلٍ آخر ولم أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا فيه، ثبتني أمامه لحظاتٍ اتأمله.. مِن ذي لهجة أصدق من أبي ذر..
يرسلنا الله رحمات لبعضنا البعض، حلمت يومًا أن الله أرسل لي في بلدةٍ قصدتها من يخبرني بأنه يرى سعيي ويصدقه وأنه ما أتاني إلا ليبلغني هذا، كنا في صحراء تحاوطنا النجوم في مشهدٍ خلّاب، عدت إلى المنزل فغفوت من الإرهاق وبعدها استيقظت وأنا أحاول التذكر أكان حلمًا أم حقيقة؟ لست أدري..
ولكنّي أدري بأن الله يرانا ويرعى من صدق فينا، مهما كلفنا ذلك آلامًا وثقلًا
وللحديث بقية

Comments

Popular Posts