عن النمذجة الحديثة للفتاة المسلمة الملتزمة

عند الحديث عن المرأة المسلمة النموذجية كما يقول الكتاب يستدعي مصّدِرو الدعوة الإسلامية على الساحة نماذج من سيرة رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام كنموذج السيدة خديجة مثلا والتي ذُكرت في حديث الرسول عن أكمل النساء, فتأتي السيرة بالكثير عن نباهتها وذكائها الوجداني والاجتماعي وحركتها في المجتمع وتأثيرها فيه وكيف أن هذه الشخصية هي من ثبَتت رسول الله في أعز المواقف جللا وصبت عليه الرعاية صبا فتبدأ أولا باستخدام خبراتها العاطفية وذكائها الوجداني بطمأنة قلبه وكيف أنه لن يخزيه الله أبدا! ومن ثم تعرض عليه مساعدة قريب لها تعلم فيه الدواء لحاله فيستمع إليها ولمشورتها! السيدة خديجة التاجرة الذكية الحكيمة صاحبة الموقف والرأي والكلمة، وتتناول السيرة مواقف توضِح فيها مكانة ومنزلة السيدة في قلب الرسول التي لم تتغير بمرور السنوات وكيف أنها حملت الإسلام بكل قلبها وقوتها.
ولكن للأسف نقف عند هذا الحد في تفسير النموذج وتناوله من قِبَل نساء ورجال الدعوة، فلا تؤخذ دروسٌ مستفادة من هذه الشخصية المتفردة في التربية والتنشئة غالبا إلا حُسن التبعل والعشرة في إغفال تام عن الشخصية المتفردة التي نحن بصددها وأسباب تكوينها وصقلها! 

 عندما يأتي الحديث عن موقف السيدة أم سلمة مثلا في صلح الحديبية وصلابتها النفسية الشديدة في إعطاء المشورة السديدة لرسول الله في أعز المواقف توترا وقلقا، فتصيب برأيها الصواب وتُنقذ القوم من الهلاك كما قال رسول الله دون أن تهلع وتهتز! وكالعادة يؤخذ الموقف على محمل الزوج والزوجة المتفاهمين لا على كيف كُوِنت هذه الشخصية؟ تُرى ما مقدار الحكمة والعلم والفِطنة التي اكتسبتها هذه المرأة على مدار العمر؟ أم سلمة صاحبة العقل والرأي الرشيد والثبات النفسي والأنثى والزوجة الغيورة أيضا.

ثم يأتي الحديث عن السيدة أسماء بنت أبي بكر، ذات النطاقين، القوية الصلبة متوقدة الذكاء في كل الأدوار، تلك الفتاة التي وقفت وجها لوجه تدافع عن رسول الله بوجه أبي جهل، وتسافر حاملة الزاد لرسول الله مسافةً لا تقدر عليها فتاة صغيرة فضلا عن امرأة تحمل في أحشائها طفلا! والكثير والكثير من المواقف الدالة على حكمتها وصلابتها وجودها المادي والمعنوي مع من حولها، وعلاقتها الفريدة بزوجها سيدنا الزبير ابن العوام وصبرها على مشاق الحياة معه لحظةً بلحظة فروى عروة عنها، قالت: تزوجني الزبير وما له شيء غير فرسه؛ فكنت أسوسه وأعلفه، وأدق لناضحه النوى، وأستقي، وأعجن! مع المراعاة الأنثوية أيضا لمشاعره ورجولته فنجد الصلابة والدلال يقابلها المروة والشهامة عند الزبير فيُزهر النموذج.
   
 نرى هذه النماذج وغيرها الكثير مما لا يسعنا الوقت في الحديث عنهن، فريدة الفكر والذكاء قوية الإرادة والصلبة المتصدرة لكلمة الحق على طول الطريق كمنوذج لما يجب أن تكون عليه الفتاة المسلمة معتزةً رافعةً رأسها فيأتي السؤال: من أين أتى هذا النموذج الساذج المشوه عما يجب أن تكون عليه الفتاة المسلمة الملتزمة في أيامنا هذه؟ نجد الفتاة قبل الالتزام منطلقة في الأنشطة المختلفة وما إن تسلك طريق الالتزام الحديث إلا وتقطع صلتها بالشأن العام وتنعزل عن العالم في دعوة غريبة بأن هذا ما أمرها الله به وما يجب أن تكون عليه ضاربة بجميع النماذج عرض الحائط في مقابل هذا النموذج الحديث الذي يصور الفتاة كما نرى في صفحات بعض الملتزمين " فتاة ترتدي الحجاب الشرعي إما خمارا\نقابا وتضع يدها على وجهها لتداريه في خجل شديد في موضع لا يستعدي الخجل أصلا!" ويصدّر هذا النموذج طبعا في الأفلام والدراما العربية، فتكون البطلة ضعيفة ساذجة متخلفة تنخدع في كل من هبّ ودبّ مادام الالتزام سمتها وصحبة الخير صحبتها، وبمجرد أن تنزع عنها الالتزام نراها تنطلق هنا وهناك وتنزل عليها الحكمة والعقل والذكاء ولكن لمَ اللوم عليهم إذا كنا من نحن في القلب نصدر هذا النموذج بحُر إرادتنا؟
 بل ويصل بنا الحال إلى نشر تُرَّهات على هيئة قصص تتداولها الفتيات عن فتاةٍ ماتت من شدة "الكسوف" يوم فرحها ونتغنى بجمال الحياء ناسفين بهذا السفه أي مفهومٍ جاد عن الحياء فعلا وعن الفهم والعقل والزواج! وقصصًا أخرى أقل ما يقال فيها أنها مضحكة عن فتاة يأتي إليها خطيبها فترفض مقابلته وتبعث مع أخيها الصغير رسالة له أنك يكفيك رؤيتي اللقاء السابق وأني أنتظر أن يكون اللقاء القادم في بيتنا فتنهار الفتيات في التعليقات إعجابا بهذا التخلف! ونصدِّر للعالم نموذجا هَشا مُشوها عن الفتاة الملتزمة التي لا تعرف شيئا عن العالم سوى حدود بيتها ولا تعرف أعداء سوى اليهود -هذا إن كانت تعرف أنهم أعداء أصلا- فلا يصدر لها صوت ولا رأي ولا تأثير إلا في مساحاتٍ توضع لها لتسكن فيها لا لتؤثر بحق، ولتفرِّغ طاقتها نجعلها تنخرط بالساعات والأيام في سجالات حول هل يجوز للمنتقبة أن تظهر عينيها من النقاب أم لا متصورةً أنها بهذا تنصر الدين وترفع رايته غافلةً عن أي معنى حقيقي للعلم والدين والفهم..

نُصدِر هذا النموذج ونوزعه على الفتيات بالمساجد ودروس الدين ومن ثم نستعجب من غياب تأثير الملتزمات بالمجتمع الذي انحصر حرفيا على تحفيظ القرآن بالمساجد -هذا إن وُجد وهو عمل جَلل بالطبع ولكن أيكفي وحده؟ - في غياب شامل وتام لأي محتوى فكري ومعنوي يعطى للفتاة قيمة ويقويها ويدفعها لمجابهة المجتمع والشبهات الخارجية وتَحّمُل الانخراط والتأثير به وفيه، فبدلا من ذلك ندفعها دفعا حول التمركز حول صُحبتها بالمسجد وليحترق المجتمع وقضايا الشأن العام ما دمنا نحن بأمان، حتى عناء التفكير وحمل هم القضايا المحيطة لا تكابده ولا يشغل بالها.
 نُصدِر هذا النموذج وتتشربه الفتيات فيركنن إلى السكون وتُترك ساحات التأثير إلى من لا يملكون من دين الله إلا ما سمعوه من شيوخ التلفزيون ومن ثم نستعجب من انتشار الوَهن ونحوقِل كما لو أننا بذلنا حقا كل ما بوسعنا فلم يبق بأيدينا سوى البكاء.

أرجو ألا يُفهم كلامي أبدًا على أنني أفرض بحديثي أسلوبا معينا أو طريقا تتبعه الفتاة أو أنني أحدد مساحة التأثير خاصتها وإلا لا، فهذا عكس ما أقوله تمامًا، كل القضية في تحويل الصورة الذهنية عن الفتاة الملتزمة إلى باربي مسلمة ترتدي حجابا شرعيًا.

أعيدوا النظر بعمق وتأمل إلى نماذج الصحابيات والنساء المسلمات على مدار التاريخ، أعيدوا النظر إلى سمية بنت خياط، وصفية بنت عبد المطلب، ونسيبة بنت كعب، وأسماء بنت يزيد بن السكن خطيبة النساء، أعيدوا النظر إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها واقرأن وتدارسن كتاب سيدات بيت النبوة وصور من حياة الصحابيات وتعلمنّ كيف أن الذكاء والتأثير والقوة هم صميم الأنوثة لا الركون والهشاشة والضعف وتساءلن تُرى من أين أتى لنا هذا النموذج الآخر؟!! 

Comments

Popular Posts